عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

177

اللباب في علوم الكتاب

الثاني : أنها في محلّ رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف ، أي : فأمره أو شأنه أنه غفور رحيم . الثالث : أنها تكرير للأولى كرّرت لمّا طال الكلام وعطفت عليها بالفاء ، وهذا منقول عن أبي جعفر النحاس ، وهذا وهم فاحش ؛ لأنه يلزم منه أحد محذورين : إمّا بقاء مبتدأ بلا خبر ، أو شرط بلا جواب . وبيان ذلك أنّ « من » في قوله : « أنه من عمل » لا تخلو : إمّا أن تكون موصولة أو شرطية ، وعلى كلا التقديرين ، فهي في محلّ رفع بالابتداء ، فلو جعلنا « أن » الثانية معطوفة على الأولى لزم عدم خبر المبتدأ ، وجواب الشّرط ، وهو لا يجوز . وقد ذكر هذا الاعتراض ، وأجاب عنه الشيخ شهاب الدين أبو شامة فقال : « ومنهم من جعل الثانية تكريرا للأولى لأجل طول الكلام على حدّ قوله : أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [ المؤمنون : 35 ] ودخلت « الفاء » في « فإنه غفور » على حدّ دخولها في فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ [ آل عمران : 188 ] على قول من جعله تكريرا لقوله : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ [ آل عمران : 188 ] إلّا أن هذا ليس مثل « أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ » ؛ لأن هذه لا شرط فيها ، وهذه فيها شرط ، فيبقى بغير جواب . فقيل : الجواب محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره : غفر لهم » انتهى . وفيه بعد ، وسيأتي هذا الجواب أيضا في القراءة الثانية منقولا عن أبي البقاء ، وكان ينبغي أن يجيب به هنا ، لكنه لم يفعل ولم يظهر فرق في ذلك . الرابع : أنها بدل من الأولى ، وهو قول الفرّاء « 1 » والزّجّاج « 2 » وهذا مردود بشيئين : أحدهما : أنّ البدل لا يدخل فيه حرف عطف ، وهذا مقترن بحرف العطف ، فامتنع أن يكون بدلا . فإن قيل : نجعل « الفاء » زائدة ، فالجواب أن زيادتها غير زائدة ، وهو شيء قال به الأخفش « 3 » . وعلى تقدير التّسليم فلا يجوز ذلك من وجه آخر ، وهو خلوّ المبتدأ ، أو الشرط عن خبر أو جواب . والثاني من الشيئين : خلوّ المبتدأ ، أو الشرط عن الخبر ، أو الجواب كما تقدّم تقريره ، فإن قيل : نجعل الجواب محذوفا - كما تقدّم نقله عن أبي شامة - قيل : هذا بعيد عن الفهم .

--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن 1 / 336 . ( 2 ) ينظر : معاني القرآن 2 / 278 . ( 3 ) ينظر : معاني القرآن 34 ، 124 .